فخر الدين الرازي
95
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إلا أقوام قليلون . ثم منهم من قال : كان ذلك القليل عبد اللَّه بن سلام وأصحابه ، وقيل : هم الذين علم اللَّه منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك . والقول الثاني : أن القليل صفة للايمان ، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، فإنهم كانوا يؤمنون باللَّه والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء ، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول ، قال : لأن « قليلا » لفظ مفرد ، ولو أريد به ناس لجمع نحو قوله : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [ الشعراء : 54 ] ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا ، والمراد به الجمع قال تعالى : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] وقال : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [ المعارج : 10 ، 11 ] فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) [ في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم أمرهم بالإيمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك ، ولقائل أن يقول : كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته ، حتى يكون إيمانهم استدلاليا ، فلما أمرهم بذلك الايمان ابتداء فكأنه تعالى أمرهم بالإيمان على سبيل التقليد . والجواب عنه : أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب ، وهذا صفة من كان عالما بجميع التوراة . ألا ترى أنه قال في الآية الأولى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ [ النساء : 44 ] ولم يقل : ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب ، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة ، ومن كان كذلك فإنه يكون عالما بالدلائل الدالة على نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل ، ولهذا قال تعالى : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي مصدقا للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وإذا كان العلم حاصلا كان ذلك الكفر محض العناد ، فلا جرم حسن منه تعالى أن يأمرهم بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام جزما ، وأن / يقرن الوعيد الشديد بذلك . المسألة الثانية : الطمس : المحو ، تقول العرب في وصف المفازة ، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس ، وقد طمس اللَّه على بصره إذا أزاله وأبطله ، وطمست الريح الأثر إذا محته ، وطمست الكتاب محوته ، وذكروا في الطمس المذكور في هذه الآية قولين : أحدهما : حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس الوجوه : والثاني : حمل اللفظ على مجازه . أما القول الأول : فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها ، فان الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس ، فإذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا ، ومعنى قوله : فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها رد الوجوه